الجمعة 21 نوفمبر 2008 م , 23 ذو القعدة 1429 هـ    
الرسوم المسيئة   Minimize

الرسوم المسيئة

 

إسلامنا – خاص - إعداد وإلقاء الدكتور ياسر الشمالي

 

الحمد للّه ربِّ العالمين، نحمده تعالى على فضله حمدا يوافي نعمه ويكافىء مزيده

وأشهد أن لا إله إلّأ الله الخافض الرافع والقابض الباسط، يُعز من يشاء ويُذل من يشاء

وأشهد أن محمداً عبدُ الله ورسولُه سيدُ الخلق وخاتمُ النبيين وإمامُ المرسلين وقدوة المتقين، جاهدَ في الله حقَّ جهاده، ففتح الله به قلوباً غُلفا وآذانا صُمّا وعيونا عُميا، زكّى الله معشره فقال (وإنك لعلى خلق عظيم)

     يا خيرَ من دُفنت بالقاع أعظمُه      فطاب من طيبهن القاعُ والأكمُ

     نفسي فداءٌ لقبر أنت ساكِنُـه       فيه العفافُ وفيه الجـود والكرمُ

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على هذا النبي الأمي البشير النذير وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    إن نبي الرحمة نبي الإسلام الذي قال الله تعالى فيه:( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، يتعرض اليوم إلى حملة مدبَّرة من التشويه والاساءة، وهو أمرتقشعر منه الجلود وينصدم به كل مؤمن غيور، فمن المؤكد أنكم سمعتم أو قرأتم ما قامت به صحف الدانمرك( 17 صحيفة) من إعادة نشر الرسوم المسيئة، وهو تصرف مشين وعمل جبان يستنكره كل عاقل ويستهجنه كل حر، فهذا النبي الكريم هو الذي علَّمنا احترام الأنبياء وتقديرهم وعدم التفريق بينهم، أقرأوا سورة الأنبياء واقرأوا سورة مريم وغيرها، فلن تجدوا إلى التبجيل والتكريم، وهو الذي أُنزل عليه قوله تعالى: ( آمن الرسول بما أُنزل إليه من ربه والمؤمنون، كلٌ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نُفرِّق بين أحدٍ من رسله..)، هكذا علمنا الإسلام أن نؤمن بكل أنبياء الله ونبجلهم، فما بالهم يسيئون إل معلم البشرية وهاديها، إلى النبي الذي وصفه ربه بقوله: ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضُّوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر)، ما بالهم يسيئون إليه؟! ولعله لو سمع إساءتهم لعذرهم لما هم فيه من الغفلة والضلال، ولحاجتهم الماسة للمسة حنان هم محرومون منها، كما قال لمن آذاه من قومه (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) ، وقال:(لعل الله يُخرِج من أصلابهم من يوحِّد اللهَ تعالى)

    معاشر المؤمنين: هل وصل بنا الحال أن يُساء إلى نبينا وحبيبنا ونحن نرى ونسمع ولا نحرك ساكنا؟!  وهل ينطبق علينا قول القائل: قد أسمعت لو ناديت حيا     ولكن لا حياة لمن تنادي ؟!

    فبالأمس القريب قامت قيامتهم في بريطانيا لأن كبير الأساقة عندهم قال كلاما منصفا بحق  المسلمين وضرورة أن يتحاكموا إلى شريعتهم، والغرب الذي سمح بنشر الرسوم المسيئة لسيد البشرية بزعم حرية التعبير، هو نفسه الغرب الذي احتج على هذا الرجل وهو نفسه الذي حاكم العالم المسلم روجيه جارودي بسبب كتابه عن المحرقة الصهيونية الكاذبة، إننا نعتقد أن الصهاينة اليهود هم وراء هذه الفتنة وهذا التصرف الأرعن وهذا الإزدراء الواضح للإسلام والمسلمين يتلاعبون بأهل الغرب ويُضلونهم ويوقدون نارالكراهية والبغضاء بين الشعوب، وهم الذين وصفهم الله تعالى بقوله: (ويسعون في الأرض فسادا)، ذلك أن الإعلام في الغرب يتحكم فيه اليهود، وقد عزز ذلك ما أصابهم من الحسد لانتشار الإسلام واكتساحه بلاد الغرب بما يحمله من هداية وحق ومنطق، رغم تشويه من يسيء إلى هذا الدين، وإن انتشار الإسلام ودعوة التوحيد في أرجاء الكون إنما هي تحقيق لنبوءة القرآن في قوله تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون)

   وقوله النبي عليه السلام: ( سيبلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار بعز عزيز أوبذل ذليل)، وقد شجعهم على ذلك وجرأهم علينا ما يرونه من ضعف المسلمين وشعورهم أنهم يسئون إلى أمة متفرقة غير متوحدة أمة لا تملك مقومات الرد المناسب على هذا  التجني، فنخشى أن نكون قد وصلنا إلى مرحلة ينطبق علينا فيه قول الحبيب- صلى الله عليه وسلم:(يوشك أن تَداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. قالوا: أو من قِلّة نحن يومئذ يا رسول الله ؟! قال : بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن اللهُ المهابةَ منكم من صدور أعدائكم وليلقينّ في قلوبكم الوَهَن. قالوا: وما الوهن يارسولَ الله ؟ قال : حبُّ الدنيا وكراهية الموت.)

   ولكن الله جعل الخير في هذه الأمة باقيا، فمهما كبت هذه الأمة فسوف تنهض، ومهما غفت فسوف تصحو، وسوف يأتي اليوم الذي نعود فيه سادة الدنيا وناشري التوحيد والحق والخير والفضيلة فيها، كما أراد الله لنا في قوله: (كنتم خير أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)

  معاشر الأخوة: لكن ما معنى سكوت كثير من أفراد المسلمين عن هذه الإساءات لنبيهم؟!ّ هل هذا السكوت مؤشر على أن انتماءهم للإسلام هو انتماء زائف؟ هل هو سكوت الأحرار ؟ هل هو سكوت من ينتسب إلى العروبة وهو يسمع الإساءة لنبي عربي مجده التاريخ حيث جعل من العرب أمة لها كيان وصدارة بعد ضياع وفرقة؟! هل سكوتنا هو موقف المحب الوفي لنبي الرحمة الذي قال معبرا عن حبه وشفقته علينا:(لكل نبي دعوة مستجابة وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)؟!

         صلى عليك اللهُ يا عَلَمَ الهدى     ما سار ركبٌ أو ترنّم حادي

 إننا نعتز ونفتخر أيما افتخار ونحمد الله تعالى أن جعلنا مسلمين قدوتنا محمد سيد المرسلين، نرجو الله تعالى أن يحشرنا تحت لوائه وأن يكرمنا بشفاعته ( يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورَنا )

                وممـا زادني فخـرا وتيـها               وكِدت بأخمصي أطأُ الثريا

                دخولي تحت قولك يا عبادي               وأن صيَّرت أحمدَ لي نبيّـا

معاشر المؤمنين:  إننا إذ نُدين ونستنكر ما قامت به الصحف الدانمركية وغيرها من إساءة وإهانة فإننا نؤكد أن ذلك لا يصدر إلا عن قوم ليس عندهم احترام للأديان والأنبياء ويعكس صورة من صور الحقد والحسد والبغضاء، ويعبر عن جهل مطبق بمعنى حرية التعبير، وإن مثل هذه التصرفات لها انعكاسات خطيرة، وتؤدي إلى إثارة سوء الظن والكراهية وحب الانتقام، كما أنها تنسف جهود التقارب والتعايش المشترك بين الشعوب، فمن المستفيد من مثل هذه التصرفات الحمقاء ؟! وليعلم القاصي والداني أن مقام الأنبياء رفيع وحقهم محفوظ ومنزلتهم عظيمة لا يخدش فيه ولا ينال منها مثل هذا التصرف المنبىء عن خواء القلوب من الإيمان وخواء النفوس من تبجيل العظماء، وإننا نعتقد أن هذه الإساءات إنما هي حلقة من حلقات الإهانة التي لا تتوقف ضد الإسلام والمسلمين، وهو هروب منهم عن المواجهة الفكرية والمقارعة الثقافية ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)، وهي تصرفات لا تزيد المسلمين إلا تمسكا بدينهم ونصرة لنبيهم، فرب ضارة نافعة، كما أنها تزيد من عدد الباحثين عن حقيقة الإسلام ومعرفة شخصية الرسول الكريم، وبالتالي زيادة من يريد الله أن يهديه ويشرح صدره للإسلام، ولا يخفى على كل عاقل أن مثل هذه التصرفات غير المسؤولة هي شرارات تنمُّ عن تطرف من يطلقها لتأجيج نار الصراع والكراهية بين الشعوب، والواجب على العقلاء والأحرار وأدها ومحاربتها، فيا عقلاء الغرب وأحراره خذوا على أيدي سفهائكم

     معاشر المؤمنين: إن الواجب علينا أن نعبر عن حبنا لرسول الله وعن وفائنا له وانتصارنا لشخصه، فنفديك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله، وإن زمانا يُساء فيه إليك جهارا نهارا وبشكل منهجي ومنظم لهو زمان أغبر وهو زمان التيه والجاهلية0-نعيب زماننا والعيب وفينا وما لزماننا عيب سوانا- وإننا إذا لم نوقف هذا الهراء وهذا الطيش وهذه الشتيمة فإن بطن الأرض خير لنا من ظهرها، فلا بد من وقفة صادقة ننتصر فيها لهادي البشرية، وقفة من حكام المسلمين وزعمائهم ليعبروا فيها عن ضمير شعوبهم ومن وضع ثقته فيهم، ويؤكدوا فيها ولاءهم لدينهم ولأمتهم، ثم وقفة صادقة وواعية من علماء المسلمين ومثقفيهم وصحفييهم وكل من يستطيع أن يدلي بدلوه ويرد الظالم الجاهل إلى وكره ، فلنعبر عن أنفسنا ولننتصر لنبينا ولننافح عن تاريخنا ولنقارع من يهيننا، ( وجاهدوا في الله حق جهاده)، ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)

    ولا بد من وقفة صادقة غيورة وقفة الأحرار الذين عبر عنهم الشاعر بقوله :

     لا تسقني ماء الحياة بذلة     بل فاسقني بالعز كأس الحنظل

    فتبت أيدي الظالمين، وتبت أيدي الشاتمين، وتبت أيدي الساكتين، ولا أقلّ من مقاطعة البضائع والمنتجات الدانمركية واستدعاء السفير الدانمركي وتوجيه اللوم لسماحهم بهذا السلوك غير الودي للمسلمين، ولا بد من توجيه برقيات الشجب والإدانة والإستنكار، وكل الوسائل السلمية المعبرة عن الاحتجاج والرفض القاطع لمسلك الإهانة والشتيمة وأنه يتناقض مع أسس التعايش والانفتاح وتفعيل الحوار بين الشعوب

   معاشر الإخوة: يذكر التاريخ أن رجلا يهوديا حاقدا اسمه كعب بن الأشرف كان يعيش في المدينة المنورة، وقد تنكر لكل ما صدر من المسلمين من مبادرات للعيش المشترك والسلم الاجتماعي، فنقض العهد وغدر وتمالأ مع كفار العرب ضد المسلمين، وأخذ يشتم الرسول الكريم بشعره ويشبب بنساء المسلمين، وغير ذلك من الإساءات، ولم يرعوي لكل ما وُجِّه إليه من نُصح وتنبيه وتحذير، فما كان من الرسول الكريم إلا أن قال: ( من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى اللهَ ورسولَه ؟)

    فها هو كعب يجدّد نفسه ويُطل علينا بقرون الحقد والكراهية، معبرا عن هزيمته الفكرية والثقافية أمام دعوة التوحيد والحق والعدل والفضيلة التي يمثلها المسلمون الصادقون الواعون المتمسكون بدينهم الحق، مقابل الشرك والباطل والظلم والإباحية التي يروجون لها

  فعلينا أن نستبشر بنصر الله ووعده في إظهار دينه وأن نوطن أنفسنا لنكون أنصار الحق والفضيلة، وتذكروا دائما قوله تعالى:(إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد)

   وتذكروا دائما قوله تعالى " إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا)- الأحزاب/57

   واصدعوا دائما مذكرين بأساس التعايش بين الشعوب بقوله تعالى: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)

   نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبسنة سيد المرسلين، ونسأله تعالى أن يبصرنا بعيوبنا أن يفقهنا في دينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا واغفر زلاتنا، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم لقائك يا رحمن، اللهم فرِّج الكرب عن المسلمن وعن جميع المستضعفين في الأرض، الله اشف مرضاهم وفك أسراهم ووآوي مشرديهم، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر

    اللهم وفِّق حكام المسلمن لما تحب وترضى ووحّد كلمتهم، اللهم وفِّق ملك البلاد لما فيه خير العباد ويسِّر له سبل الهدى والرشاد وارزقه البطانة الصالحة، آمين يا رب العالمين